عبد الله بن أحمد النسفي
269
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 37 إلى 39 ] وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ( 38 ) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 39 ) 37 - وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا هو في موضع الحال ، أي اصنعها محفوظا ، وحقيقته ملتبسا بأعيننا ، كأن للّه معه أعينا تكلؤه من أن يزيغ في صنعته عن الصواب وَوَحْيِنا وإنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع . عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى اللّه إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر « 1 » وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ محكوم عليهم بالإغراق ، وقد قضي به وجفّ القلم فلا سبيل إلى كفّه . 38 - وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ حكاية حال ماضية وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ومن « 2 » عمله السفينة ، وكان يعملها في برية في أبعد موضع من الماء ، فكانوا يتضاحكون منه ويقولون له : يا نوح صرت نجارا « 3 » بعد ما كنت نبيا قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ عند رؤية الهلك « 4 » كَما تَسْخَرُونَ منا عند رؤية الفلك . روي أنّ نوحا عليه السّلام اتخذ السفينة من خشب الساج في سنتين وكان طولها ثلاثمائة ذراع ، أو ألفا ومائتي ذراع ، وعرضها خمسون ذراعا أو ستمائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراعا « 5 » ، وجعل لها ثلاثة بطون ، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام وركب نوح ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد ، وحمل معه جسد آدم عليه السّلام وجعله حاجزا بين الرجال والنساء . 39 - فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ من في محل النصب « 6 » بتعلمون ، أي فسوف تعلمون الذي يأتيه عَذابٌ يُخْزِيهِ ويعني به إياهم ، ويريد بالعذاب عذاب الدنيا وهو الغرق وَيَحِلُّ عَلَيْهِ وينزل عليه عَذابٌ مُقِيمٌ وهو عذاب الآخرة .
--> ( 1 ) جؤجؤ الطائر والسفينة : صدرهما والجمع الجآجئ ( مختار الصحاح ) ، وفي ( ز ) الطير . ( 2 ) في ( ز ) من . ( 3 ) في ( ز ) بحارا . ( 4 ) في ( ز ) الهلاك . ( 5 ) روى الطبري نصفه عن قتادة ونصفه عن الحسن . ( 6 ) في ( ز ) نصب .